ابن الجوزي
294
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ، وكذلك تعظيم الطاعات فيها . والثاني : أنها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة ، ذكره ابن قتيبة . قوله تعالى : ( وذلك الدين القيم ) فيه قولان : أحدهما : ذلك القضاء المستقيم ، قاله ابن عباس . والثاني : ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي ، قاله ابن قتيبة . قوله تعالى : ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) اختلفوا في كناية " فيهن " على قولين : أحدهما : أنها تعود على الاثني عشر شهرا ، قاله ابن عباس . فعلى هذا يكون المعنى : لا تجعلوا حرامها حلالا ، ولا حلالها حراما ، كفعل أهل النسئ . والثاني : أنها ترجع إلى الأربعة الحرم ، وهو قول قتادة ، والفراء ، واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة : لثلاث خلون ، وأيام خلون ، فإذا جزت العشرة قالوا : خلت ومضت ، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة : هن ، وهؤلاء ، فإذا جزت العشرة ، قالوا : هي ، وهذه ، إرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير . وقال ابن الأنباري : العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد ، والهاء والألف على الكثير منه ، والقلة : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، والكثرة : ما جاوز العشرة . يقولون : وجهت إليك أكبشا فاذبحهن ، وكباشا فاذبحها ، فلهذا قال : ( منها أربعة حرم ) وقال : ( فلا تظلموا فيهن ) لأنه يعني بقوله [ تعالى ] : " فيهن " الأربعة . ومن قال من المفسرين : إنه يعني بقوله : [ تعالى ] " فيهن " الاثني عشر ، فإنه ممكن ، لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير ، وعلامة الكثير للقليل . وعلى قول من قال : ترجع " فيهن " إلى الأربعة ، يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال : أحدها : أنه المعاصي ، فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر ، أن شأن المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ، وذلك لفضلها على ما سواها ، كقوله [ تعالى ] : ( وجبريل وميكال ) وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة ، وقوله : ( فاكهة ونخل ورمان ) وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة ، وقوله [ تعالى ] : ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) وإن كان منهيا عنه في غير الحج ، وكما أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها ، هذا قول الأكثرين . والثاني : أن المراد بالظلم فيهن فعل النسئ ، وهو تحليل شهر محرم ، وتحريم شهر حلال ، قاله ابن إسحاق .